جواهرّ بلا قلادة

...

سمعان كرم 

في العام الدراسي المنصرم التحق حوالي 40.000 طالباً وطالبة بجامعات التعليم العالي العامة والتي استوعبت ثلثهم وبالجامعات الخاصة التي استقبلت ثلثين ذاك العدد. اية اختصاصات اختارها هؤلاء ومن ارشدهم إليها وهل تتلاءم تلك الاختصاصات مع متطلبات الرؤية الشاملة للإقتصاد الوطني؟ وجاءت نسبة الملتحقين بمواد الهندسة والتكنولوجيا بحدود 30% والذين اختاروا إدارة الأعمال شكلوا 20%، وتقنية المعلومات 13%، والثقافة والعلوم الإجتماعية 10% واختصاصات مختلفة %9
قد يتخرج منهم العدد الكبير في نهاية الخطة الخمسة 2020- 2015. فهل هناك تناغم وتنسيق بين التربويين من جهة والذين يصنعون الخطط والرؤى من جهة آخرى؟ والجواب المباشر والسريع هو ان ذلك التنسيق اما مفقود او غير كافٍ والدلالة على ذلك انه لايزال الكثيرون يبحثون عن عملٍ في الوقت الذي يملاء الوافدون الكثير من الوظائف.
تبدأ المنظومة من الرؤى والخطط التي يجب ان يوّصف واضعوها الوظائف المطلوبة لتنفيذها وأعدادها ولو تقريبياً وتوزع تلك المعلومة على مؤسسات التعليم الجامعي والمهني من خلال مجلس التعليم العالي الذي يدرسُ كيفية تحقيقها. لنأخذ على ذلك مثلاً واقعياَ من الاحداث.

لقد وافق مؤخراً المجلس الاعلى للتخطيط على الرؤية المستقبلية لمحافظة مسندم. ساعده على وضعها بيت خبرة عالمي بعد استشارات مستفيضة مع المواطنين والمسؤولين وغرفة تجارة وصناعة عمان وغيرها من المعنيين. ومن اهداف تلك الرؤية التركيز على السياحة عامة والبيئية بشكل خاص. وهذا خيارٌ جيدٌ نظراً لما تتمتع به المحافظة من معطيات تدعم ذلك التصور. اي ان السياحة قد تلعب في المستقبل دوراً اساسياً في تنمية اقتصاد المحافظة وتنويع دخلها. خصوصاً وان الحكومة ماضية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية هناك من طرقٍ رئيسة مثل طريق تيبت الى خصب ومن خصب الى دبا مروراً بليما، ومن محطات توليد الكهرباء وربط المدن بها. وقامت عمران بإنشاء الفنادق الحديثة وعادت انظار المستثمرين المحليّين والأجانب للنظر والإهتمام بالمنطقة. ونأمل ان يكون بيت الخبرة المذكور قد وصّف الوظائف المطلوبة والاعداد المتوقعة لإنجاح تنفيذ الرؤية كي تنطلق عملية التنسيق مع الجامعات والكليات التقنية العليا لتعديل بعض برامجها وادخال برامج جديدة ان دعت الحاجة لأخذ المتطلبات المستقبلية بعين الاعتبار في مجال السياحة.
فتبدأ بتدريب مدراء الفنادق ومدراء الأقسام والمطاعم والمرشدين السياحيين، وخبراء الرياضة والتسلية، ومنظمي السفر والرحلات وفنيي صيانة المراكب واليخوت، الى ما هنالك من وظائف متعددة تتطلبها السياحة عامة وفي مسندم خاصة. بذلك يصبح التخطيط التربوي المتعلق بالإقتصاد نابعاً ومكملاً للتخطيط الاقتصادي . فتتكامل المنظومة الى حدٍ كبير. وبنفس الوقت نعالج النقص في المهارت الوطنية الذي يعاني منه قطاع السياحة والذي يقف عائقاً امام نمو المؤسسات القائمة كما هو الحال في مجمع بر الجصة على سبيل المثال. وبغياب التنسيق قد يتفاقـم العجز عندما تنهض المشاريع السياحية وتتنوع كالسياحة الترفيهية والبيئية والصحية والدينية والتاريخية.

اما اليوم يتحكم عدد المقاعد المتوفرة في مؤسسات التعليم العالي بأعداد المقبولين بدلاً عن متطلبات السوق الناتجة عن التخطيط الاقتصادي وذلك في اغلب الاحيان. وكما الحال في السياحة كذلك في الخدمات اللوجستية التي توليها الحكومة اهتماماً كبيراً وتعّول عليها لتحقيق التنوّع الاقتصادي. عندنا المركز الوطني للتوجيه المهني بوزارة التربية والتعليم ويعمل فيه ستون من مشرفي واخصائيي التوجيه لتقديم الاستشارة المهنية ومساعدة الطلبة في تحديد خياراتهم الاكادمية والمهنية وتعديل رغبات الطلاب في المراحل الأولى من حياتهم الجامعية. هل يدرك هؤلأ المستشارون حاجة السوق لتوجيه الطلاب بصورة مفيدة. وهل عددهم كافٍ لارشاد خمسين ألف طالب وطالبة في السنة الواحدة. وهل اعطوا التوجيه والارقام والاختصاصات المطلوبة؟
الافكار موجودة والخطط موضوعة والرؤى تتضح يوماً بعد يوم والجامعات قائمة وامكانيات التعليم متوفرة والحمدلله. كلها جواهر ثمينة بحد ذاتها لكن اين السلسة التي تربطها ببعضها البعض كي تصبح قلادة جميلة متكاملة. من هنا اهمية تلاقي المجلس الاعلى للتخطيط مع مجلس التعليم العالي للتنسيق وتوحيد الاهداف ووضع خارطة الطريق والسهر على تنفيذها وتقييـمها في جميع مراحلها.