“أنت سوي مثل ما أقولك وبس “

...

مسري بن سليمان العامري


عندما شاهدت المنجور لأول مرة في حياتي تعجبت من الثور الذي يجره ذهابا وإيابا طوال النهار وهو في إنصياع تام لصاحبه بدون كلل ولا ملل يجر الماء من أسفل إلى أعلى ليروي به المزروعات ، وعلى الرغم من عظم العمل الذي يقوم به وتكرار المهمة ربما لسنوات لكن لا يمكن لصاحبه أن يتركه يعمل بنفسه ولو  لدقائق وذلك لسبب واحد فقط وهو أنه لا يعرف طبيعة المهمة التي يقوم بها ولا الهدف منها ! 


هذه الحادثة تأخذني إلى عبارة أسمعها تتردد على أفواه الكثيرين عندما يطلبون مهمات ممن هم تحت مسؤوليتهم من موظفين أو طلاب أو أبناء وهي عبارة 
" أنت سوي مثل ما أقولك وبس "


فيا للعجب !! 


أنها أبشع صور الاستخفاف بالعقول البشرية ، هذه العقول العملاقة التي أثبتت الدراسات بأن قدرتها على التحليل والسرعة في معالجة المعلومات عجزت عن قياسها أسرع الحواسيب تطورا فقد جاء في إحدى الدراسات : 


" يعمل الدماغ البشري بشكل متواز ، ولكن ضمن نطاق مختلف عن الحواسيب الفائقة، ووفقاً لعلماء الأحياء فإن الدماغ البشري يمتلك ما يقارب من 90 مليار خلية عصبية مرتبطة معاً بكل معنى الكلمة، مما يعني تواجد أكثر من 220 تريليون نقطة اتصال تسمى نقاط الاشتباك العصبي أو المشابك العصبية"  


إذا كان هذا  جزء بسيط من إحصائيات قدرة العقل البشري كشفته دراسة واحدة فقط فأن ذلك يعني أن الذي لم يكتشف بعد هو أعظم بكثير ، وعندما نقول العقل البشري نقصد به العقل البشري المطلق وليس عقل شخص معين دون غيره ، ولكن ما الذي يحدث لدى الكثير من الناس وعلى نقيضهم من البعض الآخر ? 


أن مثل هذه العبارات المحبطة تولد فكرة لدى المتلقي بأن عقله لا يمكن أن يستوعب ما يستوعبه عقل المتكلم .. هذه الفكرة تتطور لتصبح اعتقادا ويتحول الاعتقاد فيما بعد ليصبح إيمانا فإذا تحولت إلى إيمان يصبح من الصعب تغييرها .. في المقابل فأن الشخص المتوهم عندما يدمر هذه العقول من حوله فأن الفكرة المتولدة لديه بأن عقله فقط من يستطيع التفكير وعقول الغير قاصرة ، هذه الفكرة تصبح فيما بعد اعتقادا ثم تتحول إلى إيمان .


كيف يمكن أن نجد الحل لهذه المشكلة ، مشكلة سلب الطاقات البشرية ? 


الحل كالتالي : 


– لا تقبل أي مهمة بدون أن تفهم طبيعتها و الغرض منها والا رضيت بأن تكون مثل ثور المنجور لا يمكن أن تصبح في يوم من الأيام قائدا بل ستضل في نفس الدائرة تدور دون أن تعلم لماذا تدور أصلا .


– ليس من الضروري أن تتبع الطريقة التي تملأ عليك ، فأنت مفكر مبدع ولك أن تتبع الطريقة الأكثر توفيرا للجهد والوقت ، فالمهم تحقيق النتائج بأفضل الطرق . 


– لا تدع غيرك يفكر بدلا منك .. فأنت عندما تسأل تسأل لتعرف أين وقف غيرك لتبني عليه . فلا تطلب من غيرك أن يفكر لك .


– ضع بصمة لك في المهمة التي تقوم بها ولا تكون قالب متكرر من غيرك دائما .


– درب عقلك على التفكير المستمر وأفهم تفاصيل التفاصيل لكل مهمة تقوم بها .


– اكتشف ما لم يكتشفه غيرك حول طبيعة المهمة التي تقوم بها فهذا يقودك إلى الريادة .


أما أنت أيها المتحدث فلا تستخف بعقول الغير لأن ذلك استخفافا بقدرة الله عز وجل ، وأعطِ الفرصة لغيرك كي يفجر طاقاته الفكرية وأفسح المجال أمام إبداعاته فهذا الكون خلقه الله تعالى رحب الفضاء وأمرنا أن نطلق لتفكيرنا العنان للتفكر في أسراره وأكتشاف مكنوناته حين قال عز وجل :     


"يا معشر الجن والأنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان "


فلو علم الله عز وجل بأن عقل الإنسان غير قادر على هذا الاكتشاف لما أمرنا به ، فمن أنت حتى تستخف بقدرة الله وتشكك في خلقه ?! 


من يستخدم هذه العبارات في العادة هم المديرون وليسوا القادة ، لأن القائد يدرب من هم تحت مسؤوليته ليصبح قائدا في المستقبل ، أما المدير فأنه يدرب من هم تحت مسؤوليته ليبقوا تحت مسؤوليته ولا يتطورن ولا يصبحون قادة للمستقبل.. فلا تسمحوا لهم أيها المبدعون بتدمير عقولكم وترويض فكركم فلستم أقل منهم إبداعا … وليكن حدود تفكيركم هو حدود الكون الواسع فإن الشاعر قال : 


إذا غامرت في شرف مروم 


                    فلا تقنع بما دون النجوم ! 

وأعلم أن من يحاول حصرك في زاوية أما أن يكون مغرضا وإما أن لديه قصور في فهم معنى القيادة وفي كلتا الحالتين احذر أن تكون الضحية !