زاوية قانونية: الأحوال الشخصية “90″

...

الغامل – جرائد

د/ محمد بن عبدالله الهاشمي*

ذكرنا في الحلقة السابقة ـ ونحن نتحدث عن شرط المطلق والمطلقة ـ حكم طلاق المجنون والمعتوه والمدهوش والنائم ، وسنتناول في هذه الحلقة ـ بمشيئة الله وتوفيقه ـ حكم طلاق بعض الحالات الآخرى كالمكره والسكران والغضبان ..
حكم طلاق المكره، إن كان المكره على الطلاق يخاف عل نفسه الهلاك إن لم يطلق، لا يقع طلاقه عند جمهور الفقهاء، كأن ينال بشيء من العذاب كالضرب والعنف والحبس والتهديد بالقتل ولم يكن قادرا على دفع هذا الأذى عن نفسه بأية وسيلة من الوسائل المشروعة، لأن المكره على الطلاق وأن أتى بلفظ الطلاق فإنه لا يقصد الطلاق وإنما يقصد عدم إيقاع الأذى به، ولهذا كان طلاقه بعدم إختيار منه، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه) .. وروي أن رجلاًً جلست زوجته على صدره، وجعلت السكين على حلقه، وقالت له: طلقني أو لأذبحنك، فناشدها الله تعالى، فأبت فطلقها ثلاثاً، فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم) فقال:(لا قول له في الطلاق، وقد سئل ابن عمر عمن أدخله شخص إلى بيته، فوجد في بيته سياطاً موضوعه وقيوداً وعبيداً واقفين، ينظرون أمره، وقال له: طلّّق امرأتك وإلا فعلت والله بك كذا وكذا، فقال ابن عمر: ليس ذلك بطلاق وارجع إلى امرأتك، فإنها لم تحرم عليك).
وروي: أن رجلاً نزل في البئر بحبل ليجني عسلاً فأقبلت امرأته فجلست على الحبل، فقالت: ليطلقها ثلاثاً وإلا قطعت الحبل، فذكرّّها الله والإسلام فأبت فطلقها ثلاثاً، ثم خرج إلى عمر فذكر ذلك له، فقال: ارجع أهلك فليس هذا بطلاق.
ويروى عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ قوله: الجوع إكراه، والوثاق إكراه، والضرب إكراه، والحبس إكراه، والوعيد إكراه.
وقد رجح سماحة الشيخ العلامة/ أحمد بن حمد الخليلي، عدم وقوع زواج المُكره، فقد جاء في كتاب (فتاوى النكاح) بعد أن أورد خلاف الفقهاء في طلاق المُكره ما نصه:(ولهذا الرأي الوجيه الذي قال به جم غفير من الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ والتابعين ومن بعدهم أدلة كافية في ترجيحه على غيره من الآراء: منها: عدم ترتب شيء من الأحكام عن المُكره إن اضطر إلى شيء يتنافى مع قواعد الإيمان ولو نطق بالشرك، لاستثناءه الكتاب له في قوله ـ عزّ من قائل:(إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان) .. وليس تطليق الزوجة أعظم من قول الشرك الذي يترتب عليه ـ في حكم الظاهر ـ الخروج من الملة وإباحة سفك الدماء وما يتبعه من الأحكام الخطيرة التي تدرأ عنه لولا ثبوت الإكراه، وقد ثبت من طريق عائشة ـ رضي الله عنها ـ عنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام:(إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .. والطلاق مندرج تحت هذا الحكم لعموم الحديث.
ومنها ما جاء في السنن عنه (صلى الله عليه وسلم):(لا طلاق في إغلاق) وهو أن اختلف العلماء في معناه اختلافاً كثيراً، فلا مانع من الاستدلال به على عدم وقوع طلاق المُكره، لشمول لفظ الإغلاق له، على أن القطب ـ رحمه الله ـ صوّب حمله على معنى الإكراه، وحسبنا أن هذا الرأي قال به من أجلة الصحابة والتابعين من تقدم ذكره، وركن إليه الجمهور.
.. وللحديث بقية.
* قاضي المحكمة العليا
[email protected]